سيد محمد طنطاوي
124
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بحث الأرض على طعمه - أي : أكله - ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه ، لأن عادة الغراب فعل ذلك ، فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه » « 1 » . « والسوءة » ما تسوء رؤيته من الجسد ، والمراد بها هنا : جميع جسد الميت وقيل : المراد بها العورة ، لأنها تسوء ناظرها . وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها ، لأن سترها آكد . وهذه الآية الكريمة مرتبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من السياق . والتقدير : أن القاتل بعد أن ارتكب جريمته . ورأى جثة أخيه أمامه ملقاة في العراء . تحير ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور . * ( فَبَعَثَ اللَّه غُراباً يَبْحَثُ ) * أي : يحفر وينبش بمنقاره ورجليه متعمقا * ( فِي الأَرْضِ ) * * ( لِيُرِيَه ) * أي : ليعلم ذلك القاتل ويعرفه * ( كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيه ) * أي : كيف يستر في التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة ، وأصبح عرضة للتغير والتعفن . وقوله - تعالى - * ( قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ) * بيان لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم . وكلمة * ( يا وَيْلَتى ) * أصلها : يا ويلتي . وهي كلمة جزع وتحسر . تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة كأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها ، بعد تنزيلها منزلة من ينادى . ولا يكون ذلك إلا في أشد الأحوال ألما ، والويلة كالويل : ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك . أي : قال القاتل لأخيه ظلما وحسدا بجزع وحسرة - بعد أن أرى غرابا يحفر حفرة ليدفن فيها شيئا - قال * ( يا وَيْلَتى ) * أي : يا فضحيتى وبليتى أقبلي فهذا وقتك ، لأنى قد نزلت بي أسبابك . وقوله : * ( أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ) * أي : أضعفت عن الحيلة التي تجعلني مثل هذا الغراب فأستر جسد أخي في التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه في الأرض ما أراد دفنه ؟ ! والاستفهام في * ( أَعَجَزْتُ ) * للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب ، مع أنه إنسان فيه عقل ، والغراب طائر من أخس الطيور . وقوله : * ( فَأُوارِيَ ) * معطوف على قوله : * ( أَنْ أَكُونَ ) * . وقوله : * ( فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) * ، تذييل قصد به بيان ما أصاب قابيل بعد أن قتل أخاه عدوانا وحسدا ، ولم يعرف كيف يستر جثته إلا من الغراب .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 125